الشيخ محمد رشيد رضا

69

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وسببها غيره لا نفسه كالمسكنة . وكأن البيضاوي أخذ عبارته من قول الكشاف في سورة البقرة « فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف الجزية عليهم » وهذا الوصف أكثر انطباقا عليهم في أكثر البلاد في ذلك العصر . ونقل الرازي أن الأكثرين فسروا المسكنة بالجزية ، لأنها هي التي بقيت مضروبة عليهم . أخذوا هذا من ذكرها بعد الاستثناء أي ان الذلة ضربت عليهم لا ترتفع عنهم إلا بحبل من اللّه وحبل من الناس ، فاستثنى من الذلة ثم ذكر المسكنة ولم يستثن فاقتضى ذلك بقاءها عليهم . وإذا كان المراد من الجزية كونهم تابعين لغيرهم يؤذون إليه ما يضرب عليهم من المال وادعين ساكنين فهذا الوصف صادق على اليهود إلى اليوم في كل بقاع الأرض . وأما الذل فقد كان ارتفع عنهم في بلاد المسلمين بحبل من اللّه ، وهو ما تقدم من وجوب معاملتهم بالمساواة واحترام دمائهم وأعراضهم وأموالهم والتزام حمايتهم والذود عنهم بعد انقاذهم من ظلم حكامهم السابقين الظالمين ؛ وبحبل من الناس بما تقدم بيانه ، ثم ارتفع عنهم فيما عدا روسيا من بلاد أوروبا بحبل من الناس ، وهي قوانينهم التي تساوى بين رعاياهم في بلادهم ، على أن لهم أعداء في أوروبا وقد يبخلون عليهم في ألمانيا بلقب الألماني ويعبرون عنهم بلقب اليهودي وهل ترتفع عنهم المسكنة فيكون لهم ملك وسلطان في يوم من الأيام ؟ الجواب عن هذا يحتاج فيه إلى بسط ، فأما من الجهة الدينية فهم يقولون بأنهم مبشرون بذلك بظهور مسيح « مسيا » فيهم ومعناه ذو الملك والشريعة . والنصارى يقولون إن هذا الموعود به هو المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسّلام والمراد بالملك الذي يجئ به الملك الروحاني المعنوي . وفي إنجيل برنابا عن المسيح أن ذلك الموعود به هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أي فهو الذي جاء بالنبوة التي استتبعت الملك . ومحل هذا البحث تفسير قوله تعالى فيهم ( 17 : 8 عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا ) فإنه ذكر هذا بعد ذكر إفسادهم في الأرض مرتين وتسليط الأمم عليهم . وأما من الجهة الاجتماعية فيبحث فيه عن تفرقهم في الأرض على قلتهم ، وعن انصرافهم عن فنون الحرب وأعمالها ؛ وضعفهم في الأعمال الزراعية لعنايتهم بجمع المال من أقرب الموارد وأكثرها نماء وأقلها عناء كالربا . ولا محل هنا لتفصيل ذلك وبيان علاقته بالملك . تم علل تعالى هذا الجزاء وبين سببه فقال ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ